محمد جمال الدين القاسمي
105
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وأشار الرازيّ إلى إعراب آخر وهو : إنّ صَدٌّ و كُفْرٌ معطوفان على كَبِيرٌ أي : قتال فيه ، موصوف بهذه الصفات . وعليه ف ( أكبر ) خبر ( إخراج ) فقط . وقد جنح لهذا المهايميّ حيث قال في ( تفسيره ) : قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ من المعاصي الكبائر كيف ( و ) هو صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : عن التجارة التي جعلها اللّه سبيل الرزق لعباده ( و ) لو استبيح هذا القتل فهو كُفْرٌ بِهِ وصدّ عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام ، فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر ( و ) لكن إِخْراجُ أَهْلِهِ أي إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبيّ والمؤمنون مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ . . . إلى آخره . وهذا الوجه من الإعراب بديع ، والأكثرون على الأول . قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في تأويل هذه الآية : يقول سبحانه : هذا الذي أنكرتموه عليهم - وإن كان كبيرا - فما ارتكبتموه أنتم من الكفر باللّه ، والصدّ عن سبيله وعن بيته ، وإخراج المسلمين - الذين هم أهله - منه ، والشرك الذي أنتم عليه ، والفتنة التي حصلت منكم به - أكبر عند اللّه من قتالهم في الشهر الحرام . ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في هذا المعنى هذه الأبيات ، ويقال هي لعبد اللّه بن جحش : تعدّون قتلا في الحرام عظيمة ! * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمّد * وكفر به ، واللّه راء وشاهد وإخراجكم من مسجد اللّه أهله * لئلا يرى للّه في البيت ساجد فإنا - وإن عيّرتمونا بقتله * وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا * بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما ، وابن عبد اللّه عثمان بيننا * ينازعه غلّ من القدّ عاند قال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : وأكثر السلف فسروا « الفتنة » هنا بالشرك ، كقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ * [ الأنفال : 39 ] ويدلّ عليه قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] أي : لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلّا أن تبرأوا منه وأنكروه . وحقيقتها أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ، ويقاتل عليه ، ويعاقب من لم يفتتن به . ولهذا